هبه طاهر تروي :حدوته 21 المنزل العتيق

islamic houseجاءت الي الملك  و أكتفت بتقبيل الأرض بين يديه مرتين.قال الملك: لا أسكت الله لك حسا لقد مضي زمن و لم تروي لي أي شئ . مولاي لقد كنت أنت مشغولا في فتوحاتك فقد استأنفت حكاياتي عندما عدت من بلاد النيام نيام ثم ذهبت الي بلاد السند و غبت هناك مسافه شهور و أخيرا عدت لنا محملا بالأسري و الغنائم و ألف أهلا بك و سهلا.

الملك:حدثيني بشيء  يؤنسني.

هي:

حديثي عجيب فاق كل العجائب و حق الهوي علي مذاهبي

فأن شئتموا أن تسمعوا لي فأنصتوا و يسكت هذا الجمع من كل جانب

و أصغوا الي قولي  ففيه أشاره و أن كلامي غير كاذب

فاني قتيل من غرام و لوعه و قاتلي فاق جميع الكواكب

له مقله كحلاء مثل مهند و يرمي سهاما من قسي الحواجب

و قد حس قلبي أن فيك أمانا خليفة هذا الوقت و ابن أكابر

لقد نلت ما أرجو من المر كله و سرور القلب من كل جانب

 الملك :و من هو ذلك المهند أن شاء الله

هي باسمه أنه أنت يا مولاي و كل معشوق غائب

الملك :فما بال عزيزه و أبوها و نجم الدين

هي: حسنا يا مولاي أن في اخر حدوته جلست عزيزه تودع والدها حزينه علي فراقه و متسائله لماذا لا تكون كسائر البنات اللاتي يتزوجن و يقررن بيوتهن و تربين أطفالهن و تعيش حياه هنيئه سعيده قانعه بقسمة الله .

و لكن المنطقه التي كانت تحي بها ضاقت بها برغم حبها و تعلقها بها و برغم كثرة الأناس الطيبين بها الا أنها ضاقت بها , و كثر الأوباش بالمنطقه و هجرها الحبيب و لم تجد الصديق و لم تجد من يصدق بها, حتي من كانوا يتوارون في كنفه هي ووالدها كان المنيه في أنتظاره.

فوعظها والدها بترك المنطقه لأنه أفضل لها فهو رباها لسبب ما في نفسه و لم  يحن معاد تأذين الديك في حياتها بعد. فنصحها قائلا

ترحلي عن مكان فيه ضيم و خل الدار تنعي من بناها

فانك واجده أرضا بأرض و نفسك لن تجدي نفسا سواها

و لا تجزعي لحادثة الليالي  فكل مصيبه يأتي أنتهاها

و من كانت منيته بأرض فليس يموت في أرض سواها

و لا تبعثي رسولك في مهم فما للنفس ناصحه سواها

و أعطاها والدها مكتوب به أسماء كل اصدقاءه و زملاءه القدام قبل أن يهرب و يتواري من أعين الناس و أعطاها بعض النقود و اشار عليها بأن تذهب للست خديجه أم يحي التي ربتها في كنفها كأبنتها و كانت تحي في منزل صغير في ركن معزول بالمنطقه منزل عتيق ملاصق لمسجد صغير من مساجد الأوقاف منذ زمن القاهره الفاطميه ,المنزل به ساحه جميله بها اشجار, فبه شجرة تمر هندي أغصانه مرنه و تتساقط منه ثمار تمر الهندي و تذكرت عندما كانت تأتي و هي صغيره مع قرائنها الأطفال يلتقطون ثمر تمر الهندي و يمصمصونه و يستمتعون به و بطعمه المزز و كانوا يجمعونه و يعطوه للست خديجه أم يحي لكي تغليه و تتركه يبرد في تلك الثلاجه العتيقه و كانت تذوب به السكر و يحتسونه رشفه رشفه مستمتعين بمزازته في كل رشفه. و كانت في الساحه أيضا شجرة توت أسود و  أخري لتوت ابيض أبيض تذكرت أول ما وقعت عينها علي ثمار شجرة التوت أعتقدته دود و لكن الشيخ نور زوج الست خديجه هو من اقنعها أنها ثمره لذيذه و لما تذوقتها فعلا أدركت أنها ثمار جميله و كانت تقتات منها كلما ذهبت للست خديجه برغم عدم تخلصها من هذا الشعور أنها مشرفه علي أكل دوده لكن طعامة التوت يتغلب gardenofedenعلي هذا الشعور .

و كان في الساحه ايضا فسقيه قديمه مهمله تماما , أنسدت كل مخارج و مداخل المياه بها لأن أحدا لا يعتني بها فهذا المنزل كان جزء من الوقف و لكنه وهب للشيخ نور و كان هناك حوض كبير كانت الست خديجه تملاء في الصيف الحار جدا أحيانا و تغطس به الاطفال ليسعدو و يفرحوا ويخفف عنهم شدة الحراره.

كان قرائنها في اللعب أبن الشيخ نور يحي و بعض اطفال موظفين الحكومه القاطنين في المنطقه ,كان والد عزيزه حريص علي أنها تختلط بأولاد الناس  العاملين أو المتعلمين و لو حتي أنصاف تعليم خوفا عليها من الأختلاط بابناء الأوباش  برغم اختلاطها بهم فيما بعد بحكم عملها مع والدها ,ربما أبن وبش واحد فقط كان يلعب معهم لما ألتمسه الشيخ نور من طيبه في نفس الفتي و خنوع و بذره صافيه نابته في صحراء اسرته الذين تفننوا في الشقاوه .كان أسمه فلت علي أساس أنه ضعيف البنيان و دقيق الملامح بالنسبة الي أبيه الغليظ حتي أن أبوه كان من فجره أحيانا يتشكك في نسبه لأنه لا يشبهه  لولا أن أهل الحاره أجزموا أن جدة لوالدته كانت تحمل هذه الملامح.أحتضنه الشيخ نور و كان يحفظه القرأن مع سائر الاطفال و كانت الست  خديجه تجعله يساعدها أحيانا في أعمال المنزل .

اصبح الشيخ نور مؤخرا مع أزدياد الأوباش في المنطقه يتبني بعض الكلاب الضاله خاصة تلك التي بها أصل نضيف (بمعني كلاب من أصل فصيلة  الولف التي ربما تزاوجت مع الكلام البلدي الضاله في الشارع ) يسمح لها بأن تعيش في ساحته للحراسه و كان يطعمها و قلما كان يسمح لها بالدخول الي داخل المنزل بسبب الجراد الذي يعلق بأجسادها و فوق ذلك لصلاته .

و منزل الست خديجه و الشيخ نور منزل قديم كأنه ركن و قد أقتطع من المسجد طوسون. فجدرانه سميكه و سقفه عالي و بالنهار كان البيت يضاء بالشمس فقط و بالليل اضاءه خافته و به سلم خشبي عتيق يصل الطابقين , يحدث تزييق كلما صعد عليه أحد و برغم أزعاجه الا انها و هي طفله و عندما كانت تسمع هذا الصوت كانت تعتقد أن هذا صوت أنين الخشب متألما من ضغط الناس عليه فكانت دائما تصعده بخفه قدر المستطاع حتي لا تزيد من ألامه.

كانت في هذا البيت تشعر بأنها رجعت بالزمان الي الوراء الي زمن لم تكن به كل هذه الجرائم الي زمن كانت الناس تخشي علي حرمات و أعراض الناس كأنها حرماتها كان السارق يضرب علي يده و كان الفتوه حامي الحاره و ليس بلطجيا يعيث في الارض فسادا  يخطف الأطفال و النساء و يسرحهم في الشوارع لحسابه.

و كان حاكم البلد الحاكم بأمر الله و ليس بأمر أمريكا و أوروبا و الصين.

,البيت و الساحه كانوا في معزل عن المنطقه كانت و كأنهم واحه في صحراء قحلاء مجرد أن تخطو عتبته تشعر بارتياح و أن هموم العالم  الخارجي قد أنزاحت من علي عاتقك أنه بيت جميل يا مولاي و هي صغيره كانت تتغني بهذا البيت و تنشد فيه أشعارا

هو المنزل الرائع الذي به بدائع

 به نحتمي و نلجأ به نكبر و ننشأ

 الجلوس به راحة رائحته عطرة فواحة

 نستمتع بأكل الحلوى فالحياة به حلوة

 فنمرح به و نلهو لا شي منه نشكو

فنحن نحبه و نهواه فهو الذي نتمناه


 
كانت هذه الساحه تخص أمام المسجد الشيخ نور و كان به صور و كانت دائما ما تتسائل ماذا يوجد علي الجانب الأخر من الصور و بداءت تشعر أن الجانب الأخر للصور أمتداد للجو العام لهذا المنزل والساحه و الحديقه , كانت ملك لجماعه صوفيه و كانوا يعيشون في هذا المكان كالرهبان منقطعين للعباده و التأمل و كانت تسمع أغاني و تواشيح و من سطح البيت كانت تلمح من بين الأشجار   رجالا يأتون و يلفون و يدورون و يدورون البعض منهم كان يدور مرتديا زيا كالتنوره و كانت مع ازدياد سرعة دوران الرجل  تنفرد لتنوره حتي تصبح كالأسطوانه و هو متوسطها كأنه مركز عجله دائره هو تراه في الوسط ملامحه واضحه  و هو يدور أما التنوره فألوانها في البدايه مفصله و مع أزدياد سرعتها تمتزج الألوان و تجعل الشاهد يدخل في حاله من الترانس أو الغوص في اللاوعي  حتي هي كانت تكاد تفقد أتزانها أحيانا

.

في هذا البيت شعرت بالأمان و شعرت بصدر الأمومه الحنين الذي حرمت منه , فكم هو رائع أن ترمي نفسك في أحضان شخصا يحتويك دون غرض و ذلك لا يتوفر ألا في الأم و الست خديجه عوضتها بعض الشئ عن هذا الحرمان.

كل هذه الذكريات لم تأخذ ثواني لتجوب عقلها و تشعرها بتلك النشوه, نشوة الحنين ,الحنين الي الماضي و العهد القديم.

و في هذه اللحظه ما ضاعف مشاعرها تأججا صوت الأذان من الجامع المجاور للمنزل بصوت يحي أبن الشيخ نور و أحدر أقرانها في اللعب وهي صغيره.

أذان  يحي بن الشيخ نور

و هنا أيضا صاح الديك و تلاه أذان الفجر حسب التوقيت المحلي للبلد التي تحيا بها هي و الملك و قام الملك و حاشيته للصلاة جماعه.

 

Advertisements